المبشر بن فاتك

318

مختار الحكم ومحاسن الكلم

وكتب إلى أمه لما أيقن بالموت : « أما بعد ! فارغبى بنفسك يا أمّ عن شبه النساء في الرقة والضعف ، كرغبتى كانت عن شبه الرجال في الدنئ من أمورهم ، ورغبتي بنفسي عن ذلك . ثم اعلمى أن الموت لم أكن فيه ، ولم يبغتنى من أجل أنى كنت أعلم أنه سيأتينى . فلا يبغتك الحزن ، فإنك لم تكوني جاهلة بأنى من الذين لا يموتون . واعلمى أنى كتبت كتابي هذا وأنا أظن أنك « 1 » تتعزين به . فلا تخلفي ظني ، وقد علمت أن الذي أذهب إليه خير من الذي أنا فيه وأطهر . فاغتبطى لي بذهابي ، واستعدى لاتباعى في إجمال ، وقد انقطع ذكرى بما كنت أذكر به من الملك والرأي . فأحيى ذكرى بما يظهر من حلمك وصبرك وبما ترين أنه زين لي . ولا يحملنك حبى إلا على ما أحبّ ، فإنما علامة حب المحب أن يصنع ما يحب حبيبه ويدع ما يكره . واعلمى أن الناس يا أمّ سينتقدون هذا منك ويراعون ما يحدث منه ويظهر من جزعك أو صبرك عنده ليعرفوا به طاعتك لي من معصيتك ، وقبولك منى من خلافك لي . وفكّرى يا أم في الخلق ، واعلمى أنهم تحت الكون والفساد من الابتداء والانتهاء . والانسان بعد ابتدائه دائر ، وإلى عنصره الكائن منه عائد . والمقيم وإن طال راحل ، والملك وإن دام زائل . فاعتبرى يا أم بمن مضى من القرون الخالية وباد من الأمم السالفة وتضعضع من الأبنية العالية ، وانهدّ من المساكن السامية ، وخرب من العمارة الحسنة . واعلمى يا أم أن ابنك لم يرض لنفسه بأخلاق صغار الملوك ، فلا ترضى لنفسك بأخلاق الصغار من أمهات الملوك . وارغبى يا أم عما رغب ابنك بنفسه عنه . وليكن عظيم اصطبارك كعظيم رزيتك ، فإن الحازم من كان حزنه في مصيبته كعظمها في نفسها . واعلمى يا أم أن كل شئ خلقه اللّه يكون أوله صغيرا ثم يكبر ، إلا المصيبة فإنها تكون كبيرة ثم تصغر . فاكتفى بهذا التدبير والتقرير . ومري يا أم

--> ( 1 ) في النسخ : أن .